|
تميزت الفترة القريبة الماضية بتحركات في منطقتنا العربية ، اتصفت بالسرعة والتلاحق ويبدو ان مشروعات كانت قد اعدت للطبخ في معامل السياسة الدولية أصبحت جاهزة التنفيذ. وقد سبق هذه التحركات تصريحات صحفية هنا وهناك تشكل في مجموعها صياغة ما لمنطقتنا العربية ، وبالذات ليبيـاوشمال افريقيا. وعلى إثر تلك الإشارات الإعلامية نشط القذافي في الفترة السابقة بطريقة تثير الدهشة ، سواء من ناحية كثافة ذلك النشاط أو من ناحية نوعيته. ولا نريد ان نتطرق الى نشاطه الذي يخص دول المغرب العربي ومحاولاته للقفز على توازنات المنطقة ثم انحرافه نحو المشرق العربي .. ولكن يهمنا أن نرصد نشاطه الذي يتعلق بالوطن العزيز رغم صعوبة الفصل بين الغرضين ، ومع يقين بأن اللعبة لا تكتمل إلا بمجموعة لاعبين.
لقد ألقى القذافي مجموعة من الخطابات اعتبرتها بعض الدوائر السياسية وبعض المحللين نهاية لمرحلة "الوجه القبيح " وبداية لغياب تلك السياسة الغوغائية التى اتخذت طابع الارهاب أحياناً ، وطابع التزعم وحب الظهور الشديد ، وكانت عاملا من عوامل عدم الاستقرار في المنطقة العربية بالذات ، والافريقية عموما. ولقد حاول القذافي في تحركه لهذا العمل على تغيير تلك الصورة التى طالما أثّرت فيما سبق من أحداث داخلية وعربية ، ولعل تأثيرها سيبقى الى وقت طويل، وخاصة فيما يتعلق بتشويه بعض الاهداف والمبادئ السياسية.
ونحن في هذه المحاولة نترك للمحللين السياسيين رؤيتهم حول انتهاء دور الوجه القبيح للقذافي ، ولا نبحث في حقيقة تلك التغيرات . ونرى ان المهم في البحث عن هذه المرحلة .. " مرحلة الإعتدال "..
وإذا كنا في غنى عن تفسير تحركات القذافي وفق رؤيتنا ولسنا في صدد توظيف سير الاحداث لصالحنا، وإنما نقوم بعملية تحليل مبسط للواقع .. فإنه يمكننا أن نقول في بساطة : أن القذافي قد أنهك من جراء الضغوط الداخلية بسبب الحرب التشادية والهزائم المنكرة ، والأزمة الإقتصادية ، بالاضافة ضغوط المعارضة بما تملكه من وسائل " مختلفة " إعلامية وسياسية ودبلوماسية وعسكرية . وحينما نقول " ضغط المعارضة " فإننا نعنى به المعارضة في الداخل والمعارضة في الخارج بوسائلها في الكفاح السلبي والنضال الايجابي ، ثم الضغوط الخارجية أو ما نطلق عليه " لزوم الدور في المرحلة القادمة ".
ومن هنا جاء المخطط الجديد الذي جهز القذافي عناصره ، شكله ومضمونه، وفق ( النصائح والتوجيهات ) في محاولة للإستمرار، ويمكن تمييز بعض ملامح المخطط في النقاط التالية :
-
التفريق بين القوى الوطنية ، والسعي لكشف نقاط الضعف التى يمكن النفاذ منها لهز الثقة ، ثم لمحاولة كسب الاطراف ، ثم في مرحلة تالية لاستغلال اطراف اخرى، ومحاولة عزل الفصائل المنحازة لمصلة الوطن وتطويقها والانفراد بها .
-
إعادة تجميل الوجه القبيح بسبب السياسات الرعناء ، والغوغائية ، والتى ارتبطت بالإرهاب على المستوى الدولي ، وذلك ما يفسر تحرك القذافي الدبلوماسي العربي ، محاولة الدخول في موازنات المغرب العربي والقفز على التناقضات مع مصر ومحاولة إصلاح العلاقات مع بريطانيا وبالتالي إعادتها، وتمتين العلاقة مع فرنسا والركوع لأمريكا عن طريق العلاقات الشخصية العربية والأوروبية وعن طريق الدعاية لمسرحية التغييرات الداخلية ، للتأكيد على الجدية في السير في مخطط ( تجميل الوجه القبيح )
-
التصعيد العسكري بالمنطقة ، ومحاولة فرض واقع جديد لها غير الواقع الذي انتهى اليه القذافي وهو الواقع المهزوم الذي يشكو فيه أضعف وأفقر دولة إلى الامم المتحدة بسبب اعتدائها على الارضي الليبيـة . وهذا التصعيد لا يتناقض مع أحد الاسباب في تفضيل استمرار القذافي ، والتى بالاضافة الى آثارها السياسية من إعطاء المبرر للدول العظمى للتحرك داخل الدول الافريقية ، والمساهمة في تخفيف بعض الاعباء الاقتصادية لبعض الدول الاخرى من مشتريات السلاح وتحطيم البقية .. ومشاركتنا في ماهية الإمكانيات وعنصر المواجهة المباشرة لتحطيم ذلك المخطط وكشف مضمونه وفضح حقيقته وغايته، وكيف نتمكن من ذلك قبل ان يصبح واقعاً يحتاج تغييره ومواجهته الى جهود وتضحيات إضافية ؟ وقد يضعنا امام اختيار آخر يصعب اجتيازه من الناحية السياسية والعسكرية .
اذا فلننصرف إلى إعداد المواجهة .. لا إلى انتظار المزيد من مبررات القذافي في أشكالها المسرحية المعدة.
|