المعارضة تحت عباءة النظام  
العودة إلى المقالات

المعارضة تحت عباءة النظام

 من منشورات الإنقاذ محرم 1412 أغسطس 1991

 بقلم عبدالرحمن سالم

 
هل هناك إمكانية لوجود معارضة منظمة وفعالة في ظل تواجد القذافي على رأس الحكم في ليبيـا ؟
 
يرصد المراقبون لتطور الأوضاع في داخل ليبيـا تلك الايحاءات الغامضة التى يحاول النظام من خلالها الإيهام بالاتجاه نحو تشكيل معارضة داخلية قد يسمح من خلالها بظهور بعض الأفكارالتى لا تنسجم مع بعض ( مقولات ) الكتاب الاخضر والنظرية الثالثة.        
 
        ويلتقط البعض هنا وهناك تلك الايحاءات ليروجوا بين أوساط الليبيين أن فلانا او فلانا ممن كان يحسب على المعارضة الليبية في الخارج قد تم الاتصال به والتباحث معه حول العودة إلى البلاد وتشكيل حزب سياسي يسمع له بتبنى افكار معارضة لسياسات النظام بشرط ان يتم ذلك من خلال الأطر السياسية التى يقوم عليها نظام الحكم في ليبيـا.
 
        وعلى  الرغم أن البعض يعتقد بأن الايحاءات تدخل في اطار سياسة الخداع التى يمارسها النظام، وانها لا تعكس توجهاً جدياً لديه لخلق معارضة حتى ولو في صورتها المستأنسة ، إلا إننا مع ذلك لا نستبعد على الاطلاق أن يمشى النظام في المشوار الى النهاية ويسمح فعلا او يكلف بعض الرموز السياسية التى كان الشعب الليبي يحسبها على المعارضة الحقيقية في الخارج بتشكيل تنظيم سياسي في صورة حزب أو تحت أي مسمى آخر يبتكره لهم لكي يمثلوا دور المعارضة تمشيا مع الشكل الحضاري الذي يحاول ان يسبغه على نظامه، بعد أن كثرت الانتقادات لذلك النظام لتمسكه بما يسميه “ اللجان الثورية والمؤتمرات الشعبية “ كإطار وحيد للممارسة السياسية ومحاربة أي شكل آخر للعمل السياسي، مما أحرج أنظمة الحكم العربية التى تتصدي لمهمة تسويق نظام القذافي، وتلك التى تدخل معه في تحالفات سياسية ، أو في برامج مختلفة للتعاون المشترك.
 
        ولكن هل يمكن لمثل تلك المعارضة التى قد تخرج من تحت عباءة النظام أن تكون نواة لمعارضة جادة وحقيقية تؤدي دورها في فضح ممارسات النظام والحد من تصرفاته التى أفسدت الحياة السياسية والأقتصادية والاجتماعية في المجتمع الليبي، وتخلخل القبضة الحديدية التى تطبق على عنق الشعب الليبي وتقمع كل صوت يرتفع - أو حتى يهمس – مطالباً بإحترام حريات وحقوق الإنسان في ليبيـا.
 
        إن المعارضة الحقيقية – غير المستأنسة – هدفها الأساسي ليس مجرد المعارضة في حد ذاتها أو الاعتراف لها بحرية الصراخ، وإنما هي تهدف عن طريق الحوار الديمقراطي إلى اقناع الشعب ببرنامجها السياسي وافكارها والحصول على ثقته ثم الوصول إلى السلطة لتشكيل الحكومة التى تتمكن من تطبيق ما تدعو إليه من افكار وبرامج سياسية، وهذا ما لن يسمح به القذافي بأي حال من الأحوال، وهو لا يخفي ذلك ويتبجح به علنا ويردده في اغلب خطبه السياسية وعلى سبيل المثال ما قاله في خطاب له أمام مكتب اتحاد المحامين العرب الذي عقد في بنغازي في 27 أبريل 1991 من أن :
 
                “ إذا كان النظام جماهيري في ليبيـا والسلطة للشعب وهناك ناس يريدون أن يحكموا الشعب الليبي يجب القضاء عليهم وقد نقيد حريتهم ونقضى عليهم ، وهذا الذي حصل في مرة من المرات وتم الاحتجاج عليها ، هادوم ناس يريدوا أن يحكموا الشعب الليبي، حزب يحكم الشعب الليبي ؟ لايمكن الشعب الليبي يحكم نفسه بنفسه ، الذي يعارضني في هذه الحالة لازم انزيله من الطريق ، سموها ما تسموها ؟ قمع؟ دكتاتورية ؟ لما الشعب يحكم أي معارضة ضد الشعب يجب ان تسحق وإلا تبقى عبث. “
 
        إننا نؤكد أن معارضة حقيقية تهدف إلى صالح الشعب لن تقوم على أرض ليبيـا في ظل نظام حكم القذافي وأسباب ذلك عديدة منها :
أولا من ناحية القذافي
 
        إن المتتبع لخطب القذافي وتصريحاته ومسيرته على مدى أكثر من عشرين سنة حكم فيها ليبيا حكما مطلقاً ، والذي يعرف شخصية القذافي وطبيعته الاستبدادية القمعية ، يدرك جيداً عدم جدية القذافي في الاعتراف بأي معارضة حقيقية لحكمه أو لأفكاره برغم الايحاءات المعاكسة التى يحاول أن يسربها بين الحين والاخر، ولا يُقبل من أي جهة كانت أن تتلمس عبارات شاردة هنا أو هناك ، وإشارات قد تحمل أكثر من معنى لكي تدلل بها على وجود رغبة لدي النظام في الاعتراف للمعارضة بأن يرتفع صوتها على أرض ليبيـا، فكل الدلائل تدل على خلاف ذلك.
 
        فالنظرية السياسية التى يطبقها النظام في ليبيـا تقوم على مقولات تحرم وجود أي رأي معارض لما يسمى “ بسلطة الشعب “ . وترسانة القوانين (الثورية ) إبتداء من قانون حماية الثورة مروراُ بقانون تجريم الحزبية وصولا إلى قانون الزندقة كلها تعاقب بالأعدام ليس فقط على الاقوال أو الافعال المعادية أو المعارضة “ للثورة “ أو “ لسلطة الشعب “ ولكن – أيضا – على مجرد النوايا والأفكار ولو ظلت حبيسة داخل الصدور.
 
        لو كان لدى القذافي أي نوايا صادقة في السماح بوجود معارضة جادة ، فإن نقطة البداية لن تكون مجرد الاقتصار على السماح بتكوين حزب سياسي تحت أي مسمى بعد اختيار دقيق لقيادة سلسة له لا تثير الكثير من المشاكل ، ولكن نقطة البداية تكون في إلغاء النظرية الثالثة والكتاب الاخضر، أو على الاقل تنقيتها من تلك المقولات العقيمة التى تحارب الرأي الاخر مهما كان إخلاصه، وإلغاء ترسانة القوانين الإرهابية التى تحفل موادها بعقوبة الاعدام على أي كلمة “ لا “ ترتفع في وجه النظام ، ثم إبعاد العناصر الإرهابية المجرمة عن مقاليد الحكم لأن وجودها في حد ذاته يحول دون قيام معارضة جادة خشية بطشهم، وتاريخهم الدموي لازال ماثلاً في الاذهان وضحاياهم لازالوا موجودين شاهدين عليهم.
 
        إن الذي يحدث في ليبيـا عكس ذلك تماماً، فالقذافي لايزال (يبشر) بالنظرية بإعتبارها ( دليل انعتاق العالم ) ، ولايزال يتمسك بكل مقولة فاسدة منبثقة عنها ، ولايزال يردد بأن المستقبل هو ( النظام الجماهيري ) ، وأن اللجان الثورية هي نبي الثورة الذي سيقود شعوب العالم أجمع إلى المجتمع الذي تختفي فيه الحكومات والجيوش والأحزاب والأفكار إلى آخر تلك الترهات التى تصرخ بها وسائل إعلامه وتحفل بها خطبه. وكعينة على تمسك القذافي بعصابة اللجان الثورية بعد إلباسها ثوباً مختلفا يتلاءم مع المرحلة الجديدة نورد مقتطفات من خطابه في الملتقى الثاني للجان الثورية بالجامعات والمعاهد العليا في 6 أبريل 1991 والذي قال فيه :
 
        “ حركة اللجان الثورية هي التى ستقود الجماهير حتى لو فشل هؤلاء الذين أمامي وتفشل اللجان الثورية في ليبيـا، ولكن حركة اللجان الثورية في ذاتها ستبقى رغم أنف الجميع لأنها الحركة التاريخية التى ستغير العالم وتصنع المستقبل وتقود الجماهير إلى السلطة الشعبية وتحرضها على ممارسة السلطة الشعبية ، وأن هذا هو التنظيم الصحيح الذي يتطابق مع تطلعات ورغبات الجماهير في هذا العصر..إن اللجان الثورية من الآن فصاعداً ستكون قوية تمارس الثورة الحقيقية ، وعندما تكون على حق فلا يهم ما يقوله بعض الناس أو ما يترتب على ذلك “
 
        ويقول ايضا في ذات الخطاب:      
 
        “ لم يعد هناك مكان لحزب أو لخليفة أو لمجموعة أحزاب أو جبهة ، فقد انتهت كلها لصالح حركة اللجان الثورية ، واللجان الثورية هي الحركة الحقيقية التى لن تموت ولن تنتهي حتى لو فشل الأفراد “
 
        إذا فالايحاءات غير المباشرة عن قيام انفراج سياسي تنسفها خطابات القذافي الحاسمة ، ومع ذلك – فإننا مرة أخرى – لا نستبعد السماح بتشكيل معارضة داخلية هزيلة يعطى لها قدر من حرية الصراخ المخنوق، ولكن هل هذه هي المعارضة التى يأملها الشعب الليبي ويتطلع إليها؟
 
ثانيا من ناحية المعارضة  
 
        ونقصد هنا المعارضة التى لم يعد لديها مشكلة مع النظام ودخلت في حوارات معه ، وقد تقبل دعوه لتشكيل ذلك التنظيم المعارض المستأنس إذا فكر النظام في تكوين مثل ذلك التنظيم فعلا .
 
        وإذا استثنينا الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيـا من تلك اللعبة السياسية التى تدور الآن خلف الكواليس والمغازلات بين نظام القذافي وشخصيات وتنظيمات مقيمة في الخارج ، فالجبهة قد عبّرت عن موقفها بمنتهى الوضوح والصرامة بأنها لا تقبل بديلا عن اسقاط نظام القذافي وتخليص البلاد منه وإقامة النظام الديمقراطي الدستوري النابع عن الاختيار الحر لأفراد الشعب الليبي، وأنها لا تقبل التحاور مع النظام أو التفاوض معه في ظل وجود القذافي على رأس السلطة في ليبيـا.
 
        نقول، إذا استثنينا الجبهة فهي غير داخلة في اللعبة ، فإن هناك حالة الضعف والوهن الشديد التى يمر بها ما تبقى من المعارضة ( تنظيمات وأفراد ) خاصة بعد رجوع الكثير من رموزها وقياداتها إلى البلاد وتبرأها من أي مواقف سابقة مناهضة للنظام، بل وتبنى بعضها لاطروحاته والدفاع عن سياساته جميعها بما فيها سياسة التصفية الجسدية التى وصفها أحد أولئك ( المعارضين ) بأنها كانت ضرورة لحماية الشرعية الثورية ، وظل غياب كامل لأي برامج نضالية لديها في جميع ساحات العمل السياسية والإعلامية والعسكرية .
 
        هذه الحالة من الوهن تجعل قدرة تلك العناصر على التأثير على سياسات النظام معدومة ، وكذلك قدرتها على خلق معارضة فعالة ، ولعل إدراك القذافي لهذا هو الذي قد يدعوه للسماح لتلك العناصر بتشكيل المعارضة الداخلية في الإطار الذي يخدم أهداف النظام، ولا نعتقد أن لدي القذافي أي قدر من الاحترام لمثل تلك المعارضة قد يجعله يقبل مختاراً منحها قدراً معقولا من الحرية أو القدرة على المناورة السياسية أو التسبب في تعطيل سياسات وبرامج النظام.
 
        ٭٭هل تدرك المعارضة المقبلة ذلك كله ؟
 
        أعتقد أن الإجابة لابد أن تكون نعم ، إنهم يدركون ذلك ، فنحن لا نستطيع ان نتهمهم في هذا المجال بالغفلة ، ولا بالغباء السياسي، فهم يدركون ما يفعلون ، ويدركون أنهم يساعدون القذافي في محاولاته لإضفاء مظهر حضاري على نظامه الذي يتصور أنه سيتحقق له بمجرد قبول هؤلاء تمثيل دور المعارضة الملوب منهم . وهم  يدركون طبيعة النظام الدكتاتوري وعدم قابليته للاصلاح أو التحول فجأة إلى نظام ديمقراطي يتبنى حقوق الإنسان ويدافع عنها . وهذا يثير تساؤلا مشروعاً : ما هي مصلحة هؤلاء في التحول إلى ألعوبة في يد القذافي وأداة لتحقيق أغراض سياسية ليست في صالح الشعب الليبي؟
 
        ويظل السؤال مطروحاً ونتركه معلقا بدون اجابة – مع معرفتنا لحقيقة الجواب – حتى لا نتهم بالتحامل ، وإن كان هذا لا يصادر حقنا وحق الشعب الليبي في أن نسمع الجواب من اصحاب الشأن.
 
ثالثا من ناحية الشعب الليبي
 
        لا نشك أن الشعب الليبي وقد اكتوى بنار حكم القذافي لأكثر من عشرين سنة ، وخبر ذلك الحكم وعرف حقيقته ، لا تنطلى عليه مثل تلك المسرحيات المكشوفة ، وهو لا يتوقع خيراً من وراء معارضة يصنعها النظام ، ومن معارضين جاءوا مهرولين بمجرد أن اشار لهم القذافي بإصبعه قابلين بالنظام بكل مخازيه ومآسيه.
 
        إن الشعب لا يثق في القذافي ، ولا في من يضع يده في يد القذافي ، وهو لن يعوّل كثيراً ولا قليلاً على تلك المعارضة التى يروج لها من الآن والنموذج عنده واضح، فحينما أراد القذافي أن يخلق صحافة معارضة من داخل النظام ، أصدر أوامره بإصدار مجلة شهرية يطلق عليها اسم “ لا “ تصدر عن دار “ الحلم !” وجعل المسئولين عن تحريرها “ الثوار “ رجب ابودبوس وعبدالوهاب الزنتاني وفوزية شلابي . ولكم ان تتصوروا معارضة إعلامية هذا حالها ، حال المعارضة السياسية المقترحة بأفضل من حال المعارضة الاعلامية التى تمثلها الان مجلة “ لا “ الصادرة عن دار “ الحلم “ لصاحبها معمر القذافي وشركاه .
 
 
        ولا نستطيع ونحن نقّيم إحتمال وجود تلك المعارضة أن نغفل أن مهمة الخداع التى ستقوم بها لا تقتصر على الشعب الليبي داخل ليبيا وخارجها ، بل انها تستهدف أيضا المجتمع الدولي ، وخاصة تلك الدول التى ربطت مصالحها الاقتصادية بنظام القذافي ويهمها ان تلبسه ثوبا حضارياً يمكنها من تسويقه للمجتمع الدولي دون أن تتهم بأنها ربطت نفسها بنظام فاشي قمعي لا يحترم حقوق الإنسان، ولا نعتقد أن وجود معارضة بالشكل الذي يروج له النظام يمكن أن يخدع الدول المقصود خداعها التى ترصد الخطاب المزدوج للقذافي ومحاولته توظيف الداخل لتضليل الخارج.
 
معارضة دار الحلم
 
        إن تلك المعارضة الأليفة إذا قامت على أرض ليبيا فإنها محكوم عليها بالفشل ، فهي لن تحقق أي مصلحة للشعب ، ولن تتمكن من تجميل الصورة القبيحة لنظام القذافي ولن يجن أبطالها سوى السراب يقيضونه بأيديهم ، ولقب “ معارضو دار الحلم “ والعار يجلبونه على أنفسهم.
 
 


Posted on Thursday, July 10, 2008

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.