وهم المخاوف ... من يثيره؟ ...لماذا يثار؟.. ومن المستفيد منه ؟...  
العودة إلى المقالات

وهم المخاوف ... من يثيره؟ ...لماذا يثار؟.. ومن المستفيد منه ؟...

 

 مغالطات تاريخية ومقارنات غير واقعية

  من منشورات الإنقاذ العدد 42 جمادي الاولي 1413 نوفمبر 1992

 
        تشكل المخاوف من البديل لنظام القذافي العنصر المعرقل لتنفيذ المشروعات النضالية بفعالياتها الحاسمة التى تحتاجها هذه المشروعات لإسقاطه. وحديث المخاوف كان مطروحاً ضمن أدبيات الجبهة منذ عام 1987 . ولكن حيّز وأشكال هذه المخاوف أخذ يتسع مع تسارع التصورات الخطيرة التى فرضت تغييرات حادة في مواقف الدول السياسية ، مما نتج عنه بروز صيغ جديدة لأسس العلاقات الدولية ، وضع القضية الليبية في موضع متقدم في اولويات القوى التى لها مصالح في المنطقة العربية ولفهم أبعاد هذه التحديات لابد من الوقوف عند بعض التساؤلات :
من يثير هذه المخاوف؟
من المستفيد منها ؟
وما هي حقيقتها؟
وما مدي صحتها ؟
أمثلة لصور المخاوف
        عرضت هذه المخاوف في أشكال وصور مختلفة جاء اغلبها خيالياً وأخذ بعضها طابعاً تحذيرياً ، وقلة منها أفرزتها دوافع المصلحة الوطنية.
        والألسنة التى تردد هذه المخاوف ، تفاوتت بين القوى الخارجية ووسائل إعلامها ، وبين العناصر الوطنية النشطة منها في تيارات المعارضة والاخرى التى لم تقف موقفاً إيجابياً من النظام. وقد يكون المنبع الرئيسي لهذه المخاوف القذافي نفسه ، وأجهزته الإعلامية وعناصره الموظفة لإطالة عمر نظامه .
        * في أول مارس من عام 1992 كتبت " سوزان موقان " في صحيفة " الاوبزرفر" تقول "... مسؤول غربي كبير يحث على أنه من الأفضل الإحتفاظ بقذافي منضبط عن أي من البدائل الخطيرة التى قد تخلف الفوضى وتسبب سيلان الدماء . " وتضيف الكاتبة قائلة : " إن القذافي يحارب بكل عنف الاصوليين ، وهو الوحيد القادر على جمع شتات الدولة المشروخة ، وكذلك فإن القذافي قد أظهر حديثاً مواقف معتدلة في سياسته الخارجية والداخلية ." واستمرت الكاتبة في عرض وجهة نظرها مضيفة أن : " كلا من سفراء الكتلتين الشرقية السابقة والغربية يرون أنه بدون القذافي ستكون هناك حتماً صراعات دموية بين عناصر القبائل ، وخلال هذا التوتر الداخلي فإن قوى الأصوليين بدعم من إيران والسودان ، على وجه الخصوص ، من الممكن أن تنتج أثاراً غير محدودة."
 
        * " صلاح الدين حافظ " كتب في جريدة " الاهرام " بتاريخ 22/4/1992 يقول " حذّرنا المعارضة الليبية من التورط في مخططات كثير من الدول الأوروبية والأمريكية الهادفة إلى اسقاط نظام العقيد القذافي بقوة الغزو الخارجي أو الانقلاب المدبر بواسطة الأجهزة السرية المتخصصة في الانقلابات ." وكان " صلاح الدين حافظ " قد كتب من قبل ذلك بتاريخ 15/4/1992 : "... لأن هذا النظام متماسك في داخل بلاده ومسيطر على كل مراكز القوة المؤهلة من الجيش والمخابرات ..فللقيام بإنقلاب فإن السيناريو الأمريكي يعتمد على إسقاط حكومة بديلة فوق طرابلس في نفس توقيت ضرب الحكم الليبي والقضاء عليه ."
 
        * وعن صحيفة " القدس العربي " بتاريخ 9 يونية 1992 ننقل نصاً من "هاريس " بتاريخ 4/6/1992 كتبه " ميرون بنفستي " : " الانطلاقة الجديدة للتطرف الاسلامي تغير القاموس السياسي والثقافة الوطنية ، وحتى سبل الحياة ، وأمام المشاكل الاجتماعية الصعبة التى تواجهها البلدان العربية والاسلامية، وخاصة تدهور أوضاع الطبقات المتوسطة يوفر المناخ لزعماء المسلمين المتشددين بالعمل وطرح الاسلام كحل وحيد لكل المشاكل ليس فقط لمشاكلهم الشخصية بل الاقتصاد والسلطة ."
        * وفي شهر يونية من هذا العام دعت الخارجية الامريكية سفراء الدول العربية لحضور اجتماع نظمته مؤسسة "مريديان هاوس " في واشنطن، ألقى فيه الوكيل المساعد لمستشار الشؤون الخارجية الأمريكية " إدوارد جيريجيان " بياناً كان قد سبق إعداه قال فيه " .. الولايات المتحدة لا تعترف بالمحاولات التى تتم للسيطرة على الحكم ، والإحتفاظ بالسلطة في أيدي مجموعة معينة من الناس ، تصل إلى السلطة بأسلوب غير ديمقراطي أو بإجراء أنتخابات مرة واحدة للوصول الى الحكم .. ومنع حريات الاخرين ."
 
        * وفي نهاية شهر يونيو من هذا العام كتبت " كيم مورفي " لصحيفة " لوس أنجلس تايمز " : " لعلها مفارقة – في هذا الوقت الذي اقتربت فيه الولايات المتحدة من إطاحة القذافي – أن تتزايد اعداد الدول الاوروبية والعربية التى ترغب في إعادة التقييم لإسقاط العقيد التي كانت تعتبره أخطر رجل في تاريخ العالم . فهذه الدول تنادي بإعادة تقييم للعقيد بإعتباره عنصراُ للإستقرار في ليبيا وفي شمال افريقيا بأسرها.. منذرة بأن الشرق الاوسط سيكون – بغيابه – مكاناً أخطر مما عليه قذافي قابع في خيمته بطرابلس ، فمن بين رماد الحرب الباردة برز ( قذاف) جديد، وهو يحتل حلقة لا غنى عنها تضمن وحدة الاراضي الليبية في وجه الحروب القبلية ، ويكفل اجتثات الأصوليين الإسلاميين الذين يهددون مصر والجزائر والمغرب وتونس ، فالقذافي وصف الأصوليين بالجنون وزج بخمسة الاف منهم في غياهب السجون ، وهو بحكم السن وخيبة الأمل يعتبر حلقة مهمة من حلقات النظام العربي الجديد."
 
        " إن الغرب والولايات المتحدة بصفة خاصة –إن أفرط في الضغط على ليبيـا- فلربما أدى ذلك الى صدمات دموية تستمر زماناً داخل البلاد، وإلى ذلك يكون الغرب بضغوطه المتلاحقة ، قد فتح الباب إلى المجهول، فمن يرغب في فتح صندوق البنادورة الليبي؟ والقذافي الذي استولى على السلطة وهو في السادسة والعشرين من عمره، هو أول رجل نجح في توحيد القبائل الليبيـة التى ظلت عبر القرون تتناحر عبر رمال الصحراء والسهول الساحلية."
 
        وأضافت " كيم مورفي " قائلة " كما تتسأل (الدوائر السياسية ) عن البديل لنظام القذافي قائلة إن ذلك البديل قد يتمثل في تناحر يمتد من شرق البلاد إلى غربها."
 
        وتختتم "مورفي " مقالها مؤكدة على نفس وجهة نظرها "...والقذافي لم يعد خطراً، ولكنه قد يصبح خطراً في حالة مواصلة العقوبات على بلاده، حيث أنه سيضحى عندها مثل حيوان جريح"
 
        * وفي مقابلة مع السيد "محمد بن غلبون " في صحيفة الشرق الاوسط بتاريخ 7/10/1992 جاء على لسانه مايلى " ..لأن المعارضة الليبية غير مهيأة لتسلم الحكم ، فإن ليبيا ستعاني من حروب أهلية تشتعل بين القبائل الكثيرة ، وأن الفهم الموجود بسبب حكم القذافي دفع القبائل الى تسليح نفسها بنفسها ، خاصة بعد أن عرفت أن العقيد القذافي وعبدالسلام جلود يقومان بتسليح قبيلتيهما." وفي رده على امكانية تسليم الاصوليين للحكم بعد سقوط القذافي قال السيد بن غلبون :   " لو سقط القذافي الآن فلن يتسلم الحكم المتشددون الدينيون ولا المعارضة ، بل قد تبدأ الحرب الاهلية ... إن ليبيـا على حافة حادة جداً من خطر الحروب الاهلية ، ومنذ 1985 وغيوم الحرب الاهلية تزداد تلبداً."....
 
البديل الذي تصنعه المخاوف
وبإختصار فإن هذه المخاوف تحذر من البديل ، الذي من المفروض فيه ان يكون وطنيا دستوريا ديمقراطيا ، ولكن على عكس ذلك فإن هذه المخاوف تصوره على أنه كارثة وبالتالي يقدم طبق المخاوف بهذه التشكيلة المرعبة :
  • البديل هو الحرب الاهلية .
  • البديل هو تقسيم البلاد.
  • البديل اقليمي.
  • البديل أصولي .
  • البديل لن يكون ديمقراطيا ولن يرعى حقوق الانسان .
  • البديل سيكون صناعة امريكية يخدم فقط المصالح الامريكية على حساب المصالح الاوروبية ومصالح دول الجوار.
  • البديل سوف يشكل تهديدا للمنطقة واستقرارها.
  • البديل سوف يكون وطنياً ضيقاَ منكفئاً على نفسه وضد التعاون الاقليمي .
  • البديل سوف لن يعبر عن الاماني الحقيقية الوطنية والقومية والانسانية للشعب الليبي وسوف يكون انتقاميا متخلفاً. 
      ولو اخذنا هذه الصفات للبديل وقدمناها للمواطن الليبي أو لأصحاب القرارات على النطاق الاقليمي أو الدولي لخرجنا بنتيجة واحدة وهو ان نظام القذافي يمثل الحد الامثل في وجه هذه المخاوف جميعاً.
 
الشرائح المستهدفة
 
ولكننا لو نتمعن في مدلولات هذه المخاوف وفي توقيتاتها نجد أنها تستهدف عناصر معينة نحددها في الاتى :
أولاً:   شرائح معينة من الشعب الليبي تنقسم إلى التصنيفات التالية :
    1.  قطاع من الشعب الليبي ينقصه الوعي بما يدور في هذا العالم من صراعات ، وبالأخص ما يرتبط من صراع حول مستقبل ليبيا والقوى التى تتشبت بضرورة بقاء القذافي كلغم مزروع في قلب الأمة العربية والعالم الاسلامي. 
    2. قطاع من الشعب الليبي تحركه النزعات الاقليمية الضيقة، وتتراكم في داخله ثارات كثيرة لمواقف مخزية من حكومات ومؤسسات أعطت دعمها للقذافي في أوقات كان القذافي يقتل ويحرق ويدمر فيها أرضه ووطنه.
    3.  قطاع من الشعب الليبي لديه الحرص الزائد والتخوف على المصلحة الوطنية وله قراءاته المحكومة برفض المخاطرة .                   
ثانيا  : دول الجوارالاقليمي وبالاخص بعض القوى الفاعلة داخلها ، وهذه الدول التى عانت من حماقات القذافي ودعمت مشاريع كثيرة للإطاحة به ، تجد نفسها أمام هذه المخاوف غير متحمسة لدعم أي من القوىى المتصدية له .
 
ثالثا    : مجموعة الدول الأوروبية التى ترتبط اقتصاديا بليبيـا والتى لها مصالح استراتيجية في المنطقة ، لأن هذه المخاوف تجعلها تقبل بصيغ العلاقت الحالية وخاصة في هذا الوضع الاقتصادي الدولي المتأزم.
 
رابعا   : الإدارة الأمريكية ، وهي مستهدفة لأن هناك اعتقاداً سائداً يزعم أن الإدارة الامريكية ضد نظام القذافي وأنها تساند الجهد المعارض لإسقاطه، رغم أن الأدلة الكثيرة تشير إلى أن الادارات الأمريكية المتعاقبة منذ قيام الإنقلاب في ليبيـا لم تبرهن عمليا على أنها راغبة في إسقاطه. والغارة الامريكية البشعة على ليبيـا عام 1986 كانت لها اهدافاً خاصة، وكان من نتائجها قتل مئات الابرياء وتدمير الكثير من المنشأت المدنية . والاعلام الا مريكي هو المسؤول الوحيد عن خلق بطل من قزمية القذافي. ولكن هذه المخاوف تعزف على نفس أنغام السياسة الأمريكية التى حتماً يهمها أي بديل في ليبيـا سيورث هذا الركام من الفوضى، والذي ستكون من مهامه عودة الاقليم الليبي إلى موقعه الطبيعي في الدوائر الثلاثة العربية ، والاسلامية ، والافريقية .
 
خامسا: عناصر النظام ذاته، والتى تختلف مواقعها داخل النظام ، وبالتالي تختلف الخطابات التى توجهها لها هذه المخاوف بتباين أدوارها:    
o      فاللجان الثورية تستهدفها المخاوف لأن محتوى هذه المخاوف يضعها كشريك في تركة النظام ، وبالتالي في معاقبتها بالكامل على كل جرائمها. وإظهار البديل على أنه انتقامي يرفع من درجة ولائها للنظام واستشعارها المسؤولية في حمايته بكل الاساليب.
o      الاجهزة الامنية تستهدفها المخاوف لتسهل عليها تحديد هوية المستهدفين في مخطط السلطة وهذه المخاوف تتيح لهذه الاجهزة برمجة نشاطاتها للبرهنة على مقدرتها لإرضاء السلطة بتصفية القواعد التى قد تشكل هماً أمنياُ لهذه السلطة نفسها.
 
o      القوات المسلحة مستهدفة بصورة مباشرة لان هذه المخاوف تضع امامها البدائل المطروحة على أنها قميئة غير وطنية خائنة لا تهدف لتأكيد الإرادة الوطنية ، وخاصة في حالة وضع البلاد في حالة من التفتيت والتقسيم والحروب الاهلية ، ولهذا تقبل عناصر القوات المسلحة بالأمر الواقع، طالما أنه يحقق عنصري الاستقرار والوحدة الوطنية كما تدعى هذه المخاوف.
 
o      التكنوقراط بإعتبارهم المسؤولين على تسيير الإدارات الإنتاجية والتى لا يمكن لها أن تنتج إلا في ظروف اقتصادية مستقرة فإنها ترى من خلال هذه المخاوف صورة ظلامية لعهد ما بعد القذافي لا يساعدها على توظيف كفاءاتها الإنتاجية والابداعية فترضى بالتالي بالوضع الراهن لأنه الاكثر مناسبة لطموحاتها من ناحية ولتأهيلاتها الاكاديمية من ناحية اخرى.
 
        وحتما فإن المواطن العادي مستهدف بصورة خاصة والشعب الليبي عامة في تشويه صورة البديل وذلك ليكون مرفوضا مقدماً باعتباره عميلاً أو انتقاميا أو مهدماً للوحدة الوطنية ، وباختصار فهو سيخلق جواً من عدم الاستقرار يطيل من عمر معاناته وقهره وآلامه، وبذلك تنكمش أحلامه وأماله ، ويكون قهر القذافي اهون عليه، أو هذا ما تهدف المخاوف من تحقيقه لقطع الامل في البديل المعروض، لأنه في أقل تقدير غير وطني ويحمل اهدافاُ محددة لا تلتقي عليها الإرادة الوطنية .
 
من يثير هذه المخاوف ؟
 
        واضح أن المستفيد الوحيد من هذه المخاوف هو القذافي . ولكن من يثير هذه المخاوف أو من يقف وراءها أو من يرددها ويروّج لها ؟
 
        عناصر كثيرة تلعب دوراً مهما في ترويج هذه المخاوف وتوسيع مجالاتها وتضخيم صداها وقد تشمل هذه القائمة .
 
القذافي ذاته وأجهزته
        فالقذافي منذ المحاولة الاولى ضده في ديسمبر من 1969 وهو يجد في تشويه كل صور البديل الذي يصوره حيناً فاشياً وحيناً حزبياً أو زنديقاً أو عميلاً وما في قائمة قاموس القذافي من نعوت ولكن القذافي وأدواته الإعلامية واجهزته السياسية لا يواجهون خصوماً غير مرئيين ، وهم ليسوا فوق ارضية سياسية يتحكمون بالكامل في كل جوانبها، فتطور الأحداث الداخلية وتصعيدات المواجهة المعلنة والسرية جعلت القدافي يستشعر الخطر الذي يحيط بحكمه وسلطته . والبديل المطروح يقدم حلولا لأزمات النظام المستفحلة، وهذا هو الدافع الحقيقي ليلعب النظام دوراً بارزاً في صناعة المخاوف وتوسيع نطاقها.
 
قائمة المنتفعين من النظام واستمراره
        فهذه القائمة لا يمكن تحديدها فهي تتجدد بتجدد المرتزقة الذين يجنون الكثير من بقاء القذافي مأزوما ضعيفاً يحتاج لمواقفهم الإرتزاقية . وتشمل هذه القائمة اشخاصاً وأنظمة لها مصالح سياسية وأقتصادية وأبشع هؤلاء هي الانظمة التى تجد في نظام القذافي فرصة للإبتزاز، فتعمل بصورة مستمرة على تزويق صورته للعالم عبر تزييف حقيقة نظامه في مقابل أن تتقاسم معه عوائد النفظ عبر سلسلة لا متناهية من العقود، وفي مقابل ذلك تقوم وسائلها الإعلامية بتسويق هذه المخاوف وإقناع الرأي العام العالمي بضرورة إبقائه وتشويه البدائل المطروحة وإبرازها على أنها تشكل خطراً يهدد أمن المنطقة.
 
قائمة المدفوعين بحرص حقيقي
     وتندرج تحت هذه القائمة فئات كثيرة من القوى الوطنية المعارضة علناً والمعارضة صمتاً للنظام. وهذه الفئات تقرأ الأحداث وتطوراتها ومركباتها بطريقة لا يدخل فيها عنصر المخاطرة ، أو أنها تستشهد بأحداث تاريخية " مشابهة " تجعلها لا تقبل درجة مقبولة من المخاطرة فتلجأ عبر حرصها على سلامة الوطن وكيانه ووحدته إلى التحذير من وقوع كارثة . وبالامكان وضعها ضمن المخاوف المنطقية أو المعقولة، ويمكن الإلتقاء معها في حلقة من حلقات المشروع النضالي الذي قد يشترط توفر الحد الادنى من المعطيات الموضوعية لضمان توفر المناخ الديمقراطي، الذي بإمكانه أن يهئ الآليات والمؤسسات للدولة للنهوض على أسس متينة لا تسمح لأي من المخاوف أن تتسلل لمسامها.
        وقد تكون هذه الفئة مدفوعة عفوياً لطرح هذه المخاوف إمّا في أدبياتها أو في هواجسها في الشارع الليبي. ولهذا لا يمكن إلا أن تلتقي إرادات التغيير ومخاوف هذه الفئة المغمورة بحرصها الوطني ، وكما أنه لا بد وأن تضع أدوات التغيير هذا الحرص الوطني ضمن برامجها النضالية التى تستهدف ضرورة التفاعل الشعبي معها.
        فالمواطن العادي قد يتشبع بهذه المخاوف وخاصة إذا كان مصدرها الفئة الحريصة على الوحدة الوطنية. وبقدر ما يفرض علينا واقع النضال ضرورة تغيير نظام القذافي بجميع الإمكانيات الوطنية المتاحة بقدر ما يفرض علينا تصور ليبيا المستقبل دون أوهام المخاوف التى يصنعها القذافي واجهزته، أو قد يكون من الضروري أن نضع في حسابات صراعنا السياسي والإعلامي أبعاد الحرب النفسية التى يشنها النظام ضد فئات شعبنا، ولهذا قد تقع فئات غير قليلة فريسة لهذه المخاوف. ومن الواجب أن نحدد أبرز الذين قد يصبحون ضحية لهذه المخاوف وهم :
 
  • من لا يعرف او يتجاهل معرفة الوضع في ليبيا قبل مجئ القذافي بالذات فيما يتعلق بتوجهات وعلاقات الشعب الليبي بكافة فئاته وقطاعاته ومستوياته نحو جيرانه ونحو المرتبطين به.
  •  من لا يعرف او يتجاهل أو يتناسى حقيقة ممارسة نظام القذافي:
o      نحو المواطنين الليبيين ، وما هو حجم المأساة، وكم الدمار والخراب الذي جسده في الماضي والحاضر والمستقبل، في ظل الأزمة القائمة. ولعل الإحصائيات والحقائق ومعدلات النمو والرفاه تصرخ بإدانة هذا النظام الذي عمل وبالاخص في العشرين سنة الأخيرة على تأزيم الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطن، وما احدثه من إتلاف في الأبنية الإجتماعية والأخلاقية والفكرية.
o      نحوغيرالليبيين وما هي الادوار الخيانية التى وقفها ضد الأشقاء والأصدقاء، وما هي صور التهديد والإرهاب ، وكيف اوصل المنطقة لحالة غير معقولة من عدم الاستقرار استنفذت الموراد القومية في وضع أقطار كمصر وتونس وتشاد والجزائر في حالة استنفار تام لتوقع أي هجوم عسكري عليها ، وكيف زرع بذور عدم الثقة في الوضع السياسي العربي، وحرك آلياته الدعائية لتشويه واقع الأمة العربية والإسلامية وبصق في وجهها المفردات اللا أخلاقية، ودفعها لحملات من الحرب الإعلامية قتلت إبداع مفكريها وكتابها وألهتها عن صراعها الحضاري.
 
  • من لا يعرف أو يتجاهل الحقائق المتعلقة بالمعارضة للقذافي في الداخل والخارج وخاصة :

o         كمّ المحاولات التى وقعت والثمن الذي دفع في مقابل ذلك.

o         كمّ الرفض والمعارضة في الداخل والخارج حتى وإن غابت وسائل التعبير عنها أو بدت عاجزة عن إحداث التغيير ، وما هي أسباب هذا الرفض ودوافعه.

o         طبيعة التوجهات التى عبّرت عنها هذه المعارضة في أدبياتها وإصداراتها وبياناتها. فكل القوى الوطنية طرحت تصوراتها التى تحمل مشروعاتها النضالية، وتصوراتها للبديل الذي تناضل من أجله . ولقد قدمت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في أبريل من هذا العام “ المشروع الحضاري “ الذي اقره المجلس الوطني في دور انعقاده الثالث.

 
        وقد يصعب على المرء عزل هذا التدفق من المخاوف وأزمة القذافي الحالية، فالحديث عن هذه المخاوف لا يخرج عن كونه جزئية من مناورة القذافي من أجل التغلب على الأزمة التى يواجهها نظامه والتى تضم ضمن عناصرها : 
  • التلويح بالمشروعات الإقتصادية ببلايين الدولارات لأمريكا وأوروبا، ومحاولة الوقيعة بينهما مستغلاً تناقص مصالحهما.
  • التهديد احيانا بالإتجاه نحو التطرف وإدعاء تزعمه لحركة الاصوليين في العالم فلقد جاء في مقابلة مع صحيفة “ أ.ب. ث “ الاسبانية في شهر ابريل 1992 تصريحات للقذافي يزعم فيها بأن مجموعة من الاصوليين طلبوا منه أن يبادر في أسرع وقت ممكن لاتخاذ موقف يمكن من المواجهة المتقدمة ، وأنهم بحاجة لخليفة . وصرح القذافي بأنه لو قبل ذلك فإن العالم بأسره سوف يشتعل وينقسم إلى قسمين : الاسلام والمسيحية . 
  •  وأضاف القذافي : “ لقد طلبت منهم التريث والإنتظار، وأبلغتهم بأننا لم نصل بعد الى الخط الأحمر.. ولكنهم أصروا على أن تكون ليبيـا مركز الخلافة .. إنهم يسعون لتحويل الجزائر لدولة ذات نظام إسلامي ويريدون ذلك بالنسبة لليبيا.. ولكن ليبيـا لا توجد فيها تيارات أصولية ، فهم يريدون أن تكون ليبيا رأس الحربة لحركة ثورية حقيقية تقود الحركة ضد الهيمنة الغربية وضد الخنوع ... بإختصار يريدون ليبيـا أن تكون الطليعة .. إنني أبذل قصار جهدي للحد من هذا الاندفاع ولازلت أناقش معهم. “ 
  • الاستعداد والتعهد بتصفية الحركات الاصولية على امتداد المغرب العربي والسودان ومصر.
  • التهديد بإشعال النار في النفط الليبي وتحويل البلاد الى دخان ونار.
  • التهديد بأن لديه تقرير يكشف عن الجناة الحقيقيين في تفجير طائرة “ بان آم “ فوق بلدة “ لوكربي “ الاسكتلندية.
الوهم والدوافع
 
        هناك حتما مغالطات كثيرة في عروض المخاوف بعضها يتصل بقراءة خاطئة تلف البديل الذي سيخلف نظام القذافي، وأغلبها يرتبط بعدم الفهم الحقيقي للتاريخ الليبي، وجزء كبير منها يقوم على فرضيات خاطئة ، وهذه الفرضيات يمكن تحديدها في الأتى:
 
1.    الفرضية القائلة بأن المجتمع الليبي قبلي. ولعل استخدام هذا المفهوم في علم إلاجتماع لا يعبر على الإطلاق بأنه “ تناحري “ فالصلة القبلية تبرز في أوقات الأزمات لتجمع القبيلة أو الاسرة في مواجهة همومها بصورة متكتلة . أما الاستشهادات التاريخية بحروب القبائل الليبية ضد بعضها ، فإن هذه الفترة والتى كانت تسبق الحرب العالمية الاولى فإن مبرراتها ليس السيادة على كيان سياسي ولكن دوافعها كانت اقتصادية محدودة في حدود الملكية للأراضي الصالحة للزراعة والرعي، وهي في جملتها محدودة وجزء كبير من ليبيا في المنطقة الغربية لم يشهد هذه الصراعات القبلية . ومع بداية حرب المقاومة ضد إيطاليا توحدت القبائل تحت راية الجهاد وكانت بداية لوحدة ليبيا التى التحمت في الحرب العالمية الثانية ، ومنها بدأ النفس الحضاري يعم اجواء ليبيا التى التقـت حول مبايعة الأمير ادريس السنوسي – رغم تحفظ بعض التجمعات السياسية على ذلك – ولكن التحام القوى السياسية عجّل بإستقلال ليبيا وخلق المملكة الليبية المتحدة ، والتى لم تشهد حتى إعلان الوحدة الدستورية الكاملة في بدايات الستينات أي من الصراعات القبلية ، بل كانت مطالب الشعب الليبي حضارية حملتها المعارضة الوطنية في البرلمانات الليبية ، وأسقطت بها إحدى الحكومات ، وفرضت توجهات عصرية أدت إلى استبدالات سياسية في الحكومات المتتالية ، مما أعطى للأجيال المؤهلة قيادة إدارات وأجهزة ومراكز اتخاذ القرارات المصيرية . وحتى في عهد القذافي لم تنحرف القبائل الليبية عن مركزها في الحفاظ على الوحدة الوطنية . ولعل مما يؤكد أصالة هذه القبائل وحرصها على تماسك جدار الوحدة الوطنية ووعيها السياسي، هو موقفها في مدينة “ سلوق “ في 6 أبريل 1976 والمذكرة التى قدمتها للقذافي، حينما رفضت طلبه اياها بالهجوم على الجامعات وطالبته بإعادة الشرعية التى اغتصبها إلى الشعب. والقذافي الذي عمل على بذر الروح القبلية ( العصبية ) وأستعمل لغة الشقاق بين البدو الحضر ، وعمل على اثارة الروح الطبقية ودعا إلى اهانة الاسر العريقة في ليبيا من منطلق مبدأ ( الحقديين ) ، لم ينجح رغم محكماته الثورية وسبابه وقذفه وبذاءاته، بل بالعكس من ذلك زاد من تمسك الأسر الليبية بآخر ما تبقى لها من أسترة الحماية وهو رفضها السلبي لكل محاولات التشويه التى استخدمها القذافي. والشواهد الحاضرة التى تؤكد التفاف القبائل حول نفسها، فهي حقيقة لها ابعاد ايجابية لأنها عادة ما تبرز في أوقات الحاجة والعوز، وفي بعدها الايجابي فهي تقف في وجه آليات القمع رافضة أساليب الامتهان والفتك بكل ممارساتها اللا إنسا نية . ولم يشهد عهد القذافي صراعاً قبلياُ ، وكلما كان يحدث في اوقات متباعدة هو صراعات عادية يعطيها النظام طابع الصراع القبلي.
 
        وحينما فشل القذافي نهائياً في استخدام البعد القبلي إبتدع ما سماه الجماهيريات الصغيرة أو الكومونات وذلك لتفتيت المجتمع وزراعة روح التناحر ودفع هذه الوحدات الجغرافية الصغيرة لتتنافس على الموارد الاقتصادية المحدودة المتوفرة لها ، وخاصة بعد أن أعلن أن البلاد مشرفة على الافلاس وذلك لدفع الوحدات الادارية الجديدة للتكالب على الحصول على الإمتيازات المتوفرة .
 
 
2.    وأمّا وهم تسليح القبائل وتهيؤها للدخول في حرب أهلية فهذه مغالطة تتنافي مع كل الحقائق التى تؤكد أن الشارع الليبي لايزال يرفع شعاراته ومطالبه السياسية في الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية في ظل الوحدة الوطنية. وجميع المواجهات التى شهدتها ليبيا في عصر القذافي كانت حضارية المطالب واعية لحدود وأبعاد وانعكاسات نتائجها. فعودة العسكر لثكناتهم ، وإطلاق الحريات . وعودة الحياة الدستورية وضرورة وجود دولة سيادة القانون، وإطلاق سراج المعتقلين السياسيين . ومطالب حقوق الانسان برمتها ظلت هي الوثيقة الوحيدة التى رفعها الشارع الليبي في وجه زمرة سبتمبر منذ عام 1969 ، وأخذ منحنى هذه المطالب يتصاعد في فترة معينة كما حدث في عام 70 بعد “ ندوة الفكر الثوري “ وتجريم الحزبية وصدور “ قرار حماية الثورة” وعاد للصعود في 73 بعد جريمة “ خطاب زوارة “ وإعلان “ الثورة الثقافية “ ومع بداية عام 75 حينما بدأ الصراع يدب بين أعضاء مجلس قيادة الإنقلاب ، وفي 76 مع التهاب الشارع الوطني وتأييده للإنتفاضة الطلابية ، وفي 77 مع بروز التكتلات الوطنية حول “ التجمع الوطني “ واضطرار المعارضة الوطنية أن تهاجر لترفع صوتها في أجواء الحرية في عواصم العالم ، وفي 81 حينما انطلقت المفاهيم والمنطلقات الوطنية للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ، ومنحنى المعارضة والرفض وطرح البديل ونماء المشروعات النضالية والجهادية لم يتراجع .   فكان شعبنا دائماً يحمل معه الحلم في حياة دستورية عادلة، ولكن آليات القمع التى ظلت تكبت أنفاسه وتمارس ضده القهر والمطاردة والإرهاب أدخلت نفسها في أزمة سياسية شعرت معها أن مفاصلها غير قادرة على أداء واجباتها الأمنية ، ورغم كل الركوع والاستخذاء والهوان الذي عاشه القذافي، إلا أن المطالب الوطنية التى تعبر عن حقيقة البديل الدستوري الوطني الديمقراطي ظلت ترتفع بأصداء عالية ، ومواجهتها بحفنة من المخاوف الواهية لا يمكن إلا ان تكون مواجهة خاسرة.
 
3.    الفرضية التى تزعم ان القذافي هو الذي وحّد القبائل وأنه هو الوحيد القادر على حماية الوحدة الوطنية ، وأن ليبيا بعد غيابه سوف تفتتها النزاعات ، وانها ستكون على شفا حرب أهلية .
    لعل ليبيا لم تشهد في تاريخها حالة من الاستقرار والأمن والتجانس مثلما كانت عليه في أواخر العهد الملكي حيث اختفت جميع مظاهر التمزق والتشتت فخفت هذه الحساسيات الجهوية وغابت النزعات القبلية أمام الرؤى الحضارية التى برزت في الإبداعات الفنية والفكرية والثقافية فخلقت كياناً موحداً يشكله مواطنون متجانسون لا تمزق وحدتهم الطائفية أو المذهبية أو العصبية . ومع بروز ظاهرة القذافي في حياتهم بدأ المواطنون يشعرون بالصراع من أجل البقاء ، وأخذوا يتنافسون فيما بينهم. وضاعف غياب الدولة وغياب روح سيادة القانون من استفحال ظاهرة الفوضى ، وطغت من جديد الروح القبلية وبدأ الهمس الجهوي ، وذلك لسياسة القذافي في تقنين الأطر المؤدية لتجزئة الدولة وتغييب هيمنة الأجهزة المركزية ، وابراز بعض المناطق كمدينة “ سرت “ مثلا ، ومحاولة اشعار المواطنين بسيادة القذاذفة والمقارحة , ومحالفة ورفلة فهذه جميعها ولّدت احساساً لدي المواطن الليبي بأن الدولة أضحت مقسمة ، تقودها القبائل وزعماتها، والواقع يؤكد عكس ذلك. فالدولة الليبية لا تخضع لسيادة هذه القبائل،  ولا تتحكم هذه البيوت الليبية في مصير ليبيا ، فليبيبا رهنها القذافي لأجهزة أمنه ولأجهزة أمن دول أجنبية. وحينما سقطت أنظمة أوروبا الشرقية وتخلت أجهزتها عن حماية القذافي ، لجأ إلى أسلوب فك الحصار ، واطلاق المواطن المكبوت لينفجر خارج الحدود، وأرخى أحزمة الحصار الاقتصادي عن خاصرته ، ولهذا امتص مخزوناً هائلاً من الشعور المضغوط كاد ان يحدث انفجاراً في داخل السلطة ، وبهذا تكون مغالطة ضرورة بقائه كعامل أساسي لتوحيد البلاد، أو سحر مؤسساته على ضبطها من الانشطار والتقسيم غير صحيحة ، فالثوابت النضالية في مطالب الشعب الليبي ، لا زالت تؤكد أن البديل الدستوري الوطني الديمقراطي، هو أمنية المواطنين في ليبيا ، وأن الالتفاف حوله قد يكون من أبرز مظاهر عهد القذافي.
 
4.    الفرضية التى تزعم تغييب الشعب الليبي ، عن التأثير في توجيه مسار البديل مغالطة لا يمكن قبولها، فتجربة القذافي المريرة ، لا يمكن لها ان تتكرر، والبدائل المطروحة ، واعدة بتحقيق الحد الادنى من طموحات الشعب الليبي ، والبدائل المقصودة هنا هي تلك التى تمتلك الآليات القادرة على التغيير أو الحاضرة أمام المواطن بكياناتها ومؤسساتها واطروحاتها الواعدة في برامجها بالايفاء بعقودها ومواثيقها ومن المؤكد أن لحظة التلاحم بينها وبين المواطنين سوف تحدث ساعة ينهار نظام القذافي .
 
        اما المخاوف التى ترتبط بالبديل نفسه لا تقدم فروضها التى بنيت عليها ، عدا أنها تقارن بين حدوث أي من هذه المخاوف . ووجود القذافي في مقابلها ، ولهذا يفضل خيالاتها الوضع الراهن عن أي مغامرة للتغيير ، وهذا اساساً منطق مرفوض لأسباب التالية :
 
o      فالتخوف من أن البديل إقليمي بقدر ما يحمل من هموم لمستقبل ليبيا السياسي من حق الاطراف المعنية أن تخشاه ، بقدر ما هو غير واقعي أو منطقي ، بل لقد طغى عند بعضها البعد القومي على الكثير من القضايا المحلية .
 
o       والتخوف من أن البديل أصولي وأن الغرب لا يقبل بأي حكم أصولي في المنطقة ، فهو بقدر ما يقدم تخوفاً لأنظمة كثيرة على مستوى النطاق الاقليمي، إلا أن الفعاليات المعارضة الوطنية الموجودة في داخل ليبيـا وخارجها لا تقدم طرحاً متطرفاً ، وتكاد جميعها تلتقي عند حدود المطالب الشرعية . وحملة القذف ضد الشباب الملتزم في ليبيا هي حملة مقصودة . ومن الممكن توظيفها واستخدامها في أي لحظة لأن ليبيا كأي دولة إسلامية تغص مساجدها بالمصلين ، وتبرز فيها ظاهرة التدين بصورة فطرية وكجزء من شخصية المواطن . وحينما يعم الفساد نظام الحكم وتستشري في أوصال المجتمع قيم الشر ، يكون الرجوع إلى الدين هو السلاح الوحيد المتبقي في يد المواطنين في مواجهة هذا الانهيار في منظومة القيم . وهذه   الرجعة لسلاح الدين هي ضمن الأصالة الوطنية الليبية. ولعل تحرك هذه الجموع الملتزمة في وجه طاغية مثل القذافي له ما يدعمه من تجارب النضال الليبي.
 
o      والتخوف من أن البديل غير ديمقراطي أو أنه وطني منكفئ على الداخل أو أنه انتقامي ، فهذه كلها ليست قراءة لواقع ، فهي مجرد اتهامات يستخدمها القذافي في تسويق نظامه بأنه الأنسب والأصلح بين جملة البدائل المطروحة لمن يهمه الرهان على مستقبل ليبيـا.
 
o      اما ان يكون البديل صناعة امريكية أو عميلاً لأمريكا، بقدر ما يخيف ذلك دول اوروبا الغربية أو الشرقية ، بقدر ما يرفض الواقع هذا الإدعاء ، فكل الإرادات الوطنية لا ترضى أن تكون عميلة ، لأي جهة، والمشاريع النضالية المطروحة ، تبرهن على أن أي تغيير في ليبيا لا تحدده إلا الإرادة الوطنية الليبية ولا يمكن ان ترضى هذه الإرادة أن تجر ليبيـا بعد هذا القهر الذي مارسه ضدها القذافي إلى التبعية لأي من المحاور الدولية، والمعارضة الوطنية لا يمكن لها ان تزيد اوجاع الذاكرة الوطنية والقومية . فتظل بالتالي هذه المخاوف جزئية في مناورة القذافي للخروج من أزمة نظامه التى خرقها استخفافه بالإرادة الليبية، ونزوعه للأستهتار بالقانون الدولي ، مما عرض الكيان الوطني لتهديد القوى التى لا تتردد في معاقبة الخارجين عن القانون وقد يصدق البعض هذه المخاوف، وقد يطلقها المتخوفون من نتائجها على الكيان الوطني، وقد يستغلها السماسرة والمرتزقة ، وقد تستهوي القذافي هذه اللعبة فيتمادى في صناعتها وتسريبها وتوزيعها ، ولكن الواقع يؤكد أنها في نهاية المطاف سوف لن تحميه ، حين تشاء إرادة الله أن يعود لليبيا صفاؤها وحسنها وأمنها عبر بديل دستوري وطني ديمقراطي.
  
الخاتمة
 
        من الممكن أن نتساءل الآن متى سيقف تدفق هذه المخاوف ؟ لأن هذه المخاوف ليست مرتبطة بزمن معين أو بظرفية معينة ، فهي تتوازي مع امتداد خط نظام القذافي، ولانها كذلك جاءت لتخدم غرضين واضحين. 
 
الاول : يقدمه القذافي في سوق تنازلاته بإعتباره الأنسب للمنطقة في ظل المنظومة السياسية التى أفرزتها تطورات ونتائج حرب الخليج.       
الثانية : تشويه صورة البديل الذي سيخلف القذافي.
 
        وقد نطرح سؤالاً أخراً له علاقة مباشرة بجوهر هذه المخاوف: إلى أي مدى كان التجاوب مع هذه المخاوف محلياً وإقليمياً ودولياً ؟ وقد يحمل كل هذه الردود والإنعكاسات والأصداء إلى الظرفية التاريخية التى انطلقت منها والتى سوف تسمح بتهيئة الأجواء لانتشارها وتوالدها. وبأختصار شديد، الاطراف التى تحد ليبيا جغرافيا ، والاطراف التى ترتبط بليبيا اقتصادياً قد تعطى لهذه المخاوف فرصاً كثيرة لتصبح هواجس تتعامل بها آلياتها الاعلامية والسياسية. والعنصر المحلي لا يمكن عزله عن هذه الأجواء، فهو حتماً الطرف الأكثر تفاعلا بها ومعها. ولكن ذلك يضعنا أمام سؤال آخر : هل هناك علاج لعدوى هذه المخاوف ؟ وهنا لابد ان نقف لنراقب السحب الكثيفة التى تلبد عالم السياسة في الشهور القادمة.


Posted on Sunday, July 13, 2008

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.