|
مشروع "ليبيا كوطن قومي لليهود"
(البعثة اليهودية إلى برقة يولية- أغسطس 1908م)
في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت "الدعوة الصهيونية العالمية" على أشدها في أوروبا، وكانت الدعوة الصهيونية إلى إيجاد " وطن قومي لليهود" هي الشغل الشاغل لمفكريهم وأنصارهم، وإذا كانت الدعوة الصهيونية العالمية قد ركزت جهودها كلها للحصول على بلاد فلسطين لتحقيق هذه الأمنية، فإن محاولات أخرى متعددة قد بذلت لاختيار مكان آخر لإنشاء "الوطن القومي لليهود"، في شرق أفريقيا (أوغندا) وفي استراليا وفي شبه جزيرة سيناء وفي كندا بل وحتى في بعض الولايات المتحدة الأمريكية. وكان طبيعياً في ضوء هذه الأجواء والخلفيات أن ترد "ليبيا" ضمن الأماكن المرشحة بأن تكون الوطن القومي لليهود. وقد جاء هذا التفكير في "ليبيا" وفي برقة بالذات من الدبلوماسي اليهودي البريطاني هاري جونستون Sir Harry H. Johnston (كان يعمل قنصلاً عاماً في تونس في أواخر عام 1879) الذى طرأت الفكرة عليه أثناء زيارة قصيرةٍ قام بها لزميله القنصل البريطاني في طرابلس خلال ولاية سليمان نامق باشا (1896- 1898م) وقد ترك جونستون البلاد وهو يحمل في ذهنه فكرة الاستفادة من ليبيا ومنطقة الجبل الأخضر بالذات كوطن قومي لليهود. وفي لندن قام بعرض الفكرة على "منظمة الأراضي اليهودية" Jewish Territorial Organization التي كان يرأسها صديقه اليهودي "إسرائيل زانجويل Israel Zangwill"، وفي ضوء ما اقترحه المستر جونستون، وما ذكره المستر ناحوم شالوس (الذي سبق له أن زار طرابلس في 10/7/1906 في عهد ولاية رجب باشا) حول استعداد السلطات العثمانية لقبول فكرة إنشاء وطن يهودي في ليبيا فقد وافقت "منظمة الأراضي اليهودية" على تكوين بعثة علمية وإرسالها إلى طرابلس، ومنها إلى منطقة الجبل الأخضر لدراسة إمكانية تحقيق هذه الفكرة على الطبيعة، وقد عهد برئاسة هذه البعثة إلى الأستاذ ج.و.جريجوري J.W. Gregory أستاذ الجيولوجيا في جامعة جلاسجو البريطانية، وقد ضمت البعثة ستة أعضاء آخرين،ولم يكن بين أعضاء هذه البعثة سوى يهودي واحد هو ناحوم شالوس (ربما من أجل ضمان ألا تكون عرضة للطعن فيما لو كان أعضاء البعثة من اليهود).
ومن الواضح أن اسرائيل زانجويل قام في هذا الصدد بجمع كافة الآراء التي أدلي بها العلماء لتأييد فكرة إنشاء الوطن القومي لليهود في برقة، وقد ركز على أهمية موقع برقة بصفةٍ خاصّة من حيث قربها من روسيا وألمانيا اللتين كانتا تعتبران أهم مراكز اضطهادٍ لليهود في ذلك الوقت.
ومن أجل ضمان نجاح المشروع المتعلق باختيار برقة كوطن قومي لليهود، فقد اتصل اسرائيل زانجويل رئيس المنظمة اليهودية بصديقه "آرمونيس فامبيري Arminus Vambery " (كان فامبيري هو الأب الروحي لجماعة "تركيا الفتاة"، وكان في الوقت نفسه صديقاً شخصياً للسلطان عبد الحميد الثاني، كما كان الشخص الذي قدّم الدكتور " هرتزل" زعيم الحركة الصهيونية إلى السلطان ليطلب منه السماح لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين). وكان هدف زانجويل من الاتصال ب"فامبيري" هو إطلاعه على المشروع اليهودي في برقة ومعرفة وجهة نظره فيه، لما لرأيه من مكانة خاصة في المسائل العثمانية، ولما كان يتمتع به من مكانة في البلاط العثماني. وقد جاء رد فامبيري سريعاً بالموافقة على المشروع المقترح، واستعداده لأن يكون في خدمة بني دينه.
وفي 16من شهر يوليو من عام 1908 وصلت البعثة إلى طرابلس حيث استقبلت من قبل القنصل البريطاني الذي قدّمها إلى الوالي رجب باشا الذي أبدى تعاطفه والاستعداد لعمل أى شيء في استطاعته لتحرير اليهود مما كانوا يعانونه، كما أبدى موافقته على مشروع توطين اليهود في برقة، كما نصحه بزيارة منطقتي " مسلاتة " و " الجبل الغربي" في داخل الولاية واستكشاف إمكانياتهما للاستيطان اليهودي قبل الذهاب إلى برقة من أجل المهمة نفسها. (وعلى الرغم من أن رجب باشا لم يقدّم المشروع اليهودي رسمياً إلى حكومته في استانبول، ولكن ما أبداه من حماس للفكرة اعتبرته المنظمة اليهودية بادرة طيبة من حكومة تركيا).
وقد زوّد رجب باشا البعثة بخطاب توصية إلى متصرّف بنغازي، كما سمح للبعثة أن تصحب معها سكرتيره الشخصي وترجمانه اليهودي يعقوب كريجر JacoubKreger . وغادرت البعثة طرابلس في 20/7/1908م. ووصلت إلى مدينة بنغازي يوم 22/7/1908 حيث استقبلت من قِبل المتصرّف (غالب باشا) الذي كان حذراً في تصرّفاته (وفقاً لرأي رئيس اللجنة). وواصلت البعثة رحلتها إلى درنة التي وصلتها عن طريق البحر يوم 24/7/1908. وفي يوم 27/7/1908 تحركت البعثة في قافلة إلى عين "أبوللو" في " شحات ". وتنقلت البعثة ما بين مدن شحات ومرسى سوسة ومسّة[1] وسلنطة والمرج ثم طلميثة. وفي 26/8/1908 كان رئيس البعثة وعدد من أعضائها قد عادوا إلى لندن.
وعلى الرغم من أن منظمة الأراضي اليهودية قد تضايقت كثيراً من إبعاد رجب باشا من منصب الوالي في طرابلس واستدعائه إلى استانبول (لم ينس رجب باشا أن يترك وراءه رسالة إلى البعثة ليعلمها بأنه يضع نفسه تحت تصرّف المنظمة اليهودية) إلا أنها سرعان ما عاد إليها الاطمئنان بعد علمها بتعيين رجب باشا وزيراً للحرب في حكومة الاتحاد والترقي التي أطاحت بالسلطان العثماني، غير أن هذا الاطمئنان لم يدم فلم يمض أسبوع على تعيين رجب باشا في هذا المنصب حتى مات فجأة.
وفي يناير 1909 أصدرت "منظمة الأراضي اليهودية" في لندن "الكتاب الأزرق" (65صفحة)، وقد حوى هذا الكتاب التقارير التي أعدّتها البعثة التي أوفدتها لدراسة إمكانية إنشاء الوطن القومي اليهودي في منطقة الجبل الأخضر ببرقة، وفضلاًً عن التقارير العلمية التي أعدّها أعضاء البعثة الاختصاصيون (تقرير عام عن الموارد المائية والتربة والأراضي، ووسائل النقل والسكان والأحوال السياسية، وتقرير آخر عن الأوضاع الزراعية، وثالث عن الموارد المائية والإمكانات الهندسية لبرقة، ورابع عن الأحوال الصحية في برقة) فقد ضمّ الكتاب الأزرق "مقدّمة تاريخية سياسية" أعدها إسرائيل زانجويل، كما خُتم ب"ملحق" أعدّه ناحوم شالوس عن اليهود واليهودية في برقة القديمة ختمه... بالعبارة التي سلفت الإشارة إليها: "إن هذه البلاد (ليبيا) ما زالت تنتظر سكانها الأصليين اليهود الأبطال".
كان رئيس "منظمة الأراضي اليهودية" إسرائيل زانجويل شديد الحماس لهذا المشروع، وكان يرى في برقة بأراضيها الداخلية مكاناً صالحاً لتحقيق معظم المواصفات المطلوبة لإنشاء الوطن القومي لليهود (التي نشرتها المنظمة في فبراير 1907)، وإذا كان الماء ينقص برقة فإن تربتها ممتازة ومناخها صحي وحرارتها مقبولة ومناظرها خلابة إلى جانب موقعها الجغرافي العظيم، وهي خالية من الحيوانات المفترسة تقريباً، وسكانها قليلون ومعظمهم من الرحّل وأراضيهم الداخلية واسعة وخالية من السكان وبها نواة من اليهود الموجودين في المدن". (بالطبع هذا قبل معرفة واكتشاف البترول في ليبيا).
ورغمّ ذلك فإن "منظمة الأراضي اليهودية" انتهت في ضوء تقرير بعثتها وحالة الحذر التي أبداها بعض أعضاء مجلسها إلى قرار بعدم القيام بأى عمل آخر بالنسبة لتحقيق مشروع الوطن القومي لليهود في برقة، لأن توقعاتها لتوطين اليهود فيها لا يبشر بنجاحٍ كافٍ يبرّر التجارب الباهظة التكاليف التي اقترحتها البعثة في تقريرها حتى تكون البلاد صالحة للاستيطان اليهودي فيها.
ولئن كانت هذه المطالب قد انهت هذا المشروع... فهل انتهت وتوقفت معه المطامع والمطالب اليهودية في ليبيا؟.
[1] أفادت تقارير أمنية أن بعض المستثمرين اليهود شرعوا منذ أواخر عام 2006م. وتحت غطاء شركات استثمارية ثالثة، في شراء مساحات شاسعة من الأراضى الفضاء في مناطق شحات ومرسي سوسة ورأس الهلال عبر وسطاء ليبيين تردد أن من بينهم أحد أبناء العقيد القذافي
|