بقلم: مصعب ابوزيد
ورد على لسان العقيد القذافي خلال اللقاء[1] الذي بثته اذاعة الثورة الشعبية يوم 31/8/1974 أنه حضر في عام 1959 المخيم الكشفي التدريبي السابع في منطقة " جودايم " بطرابلس . وأنه حضر ذلك المخيم بنفسه وليس مع البعثة الكشفية التى جاءت من سبها ، وأن ذلك المخيم هو الاول والاخير الذي قام بحضوره.
وأضاف الرائد مصطفى الخروبي ( المشارك في ذلك اللقاء ) إلى ماقاله القذافي ما نصه:
"في احد الأيام رأيت معمر ( الكشاف ) وهو يشدّ في حبل الخيمة ، وكانت على وجهه إبتسامة طيبة رائعة .. الحقيقة من تلك الابتسامة أعجبت بهذا الرجل كثيراً، وسلمت عليه بحرارة ، ولم أكن أعرف أن اسمه معمر"
كما واصل الخروبي قائلا :
" وفي أحد الأيام ( أثناء المخيم ) أخذت له ( أي معمر ) صورة ، ووضعت على مجلة " المعرفة " ، ولا زلت أتذكر هذه الصورة ، هذه المجلة كانت تصدر عن المركز الثقافي الأمريكي "
ولا يخفى أن ما ورد على لسان الرائد الخروبي بشأن ظهور الصورة التى أخذها للكشاف القذافي على صفحات مجلة "المعرفة " الأمريكية ، يثير تساؤلاً مهما عن طبيعة صلة الخروبي المبكرة ( عام 1959 ) بالمركز الثقافي الأمريكي ومجلة المعرفة . غير أن هذا لا يعنينا كثيراً في هذه المقالة .
أما الذي يعنينا بالفعل في هذا المقام هو ما أدعاه القذافي حول مشاركته في ذلك المخيم الكشفي بنفسه وليس مع البعثة الكشفية التى جاءت من سبها في حين أن اللوائح المنظمة للحركة الكشفية تمنع حدوث مثل هذه المشاركة .
لقد ظل الادعاء الذي ورد على لسان القذافي مصدر حيرة لي ومستعصيا على فهمي إلى أن عثرت مؤخرا على مجموعة أعداد من مجلة " المعرفة " عن طريق احد الاصدقاء الاعزاء كان من بينها العدد رقم 165 / 59 الصادر بتاريخ 18 سبتمبر 1959 الذي اشار اليه الخروبي ووجدت انه نشر عدد من الصور المتعلقة بذلك المعسكر الكشفي ومن بينها صورة يظهر فيها الكشاف معمر القذافي كما ورد بالصفحات (5-6) منه ما نصه.
" تعمل القيادة العامة للكشافة الليبية دوما على توسيع الحركة الكشفية ونشرها في سائر انحاء البلاد. وقد وافقت نظارة المعارف في فزان على طلب القيادة العامة للكشافة لتنظيم الحركة الكشفية في ولاية فزان على نطاق واسع"
" وفي مخيم سواني بن أدم على بعد ستة عشر كيلومترا من طرابلس وفي ظلال الاشجار الوارفة حيث أقيم المعسكر الكشفي ، حضر رهط من الكشافة الفزانيين قوامه اربعة عشر كشافا سلسلة من الدورات التدريبية التى اقامتها المفوضية العامة لكشافة طرابلس لمدة ثمانية ايام، وبعد ذلك أختيروا ليلتحقوا بدورة على مستوى أعلى ومن ثم يختار منهم من يصلح للقيادة ليلتحق بدورة القادة. هؤلاء الكشافون سيكونون النواة الطيبة لحركة كشفية واسعة في الشق الجنوبي من ليبيا الفتية"
كما ظهر بالعدد ذاته من مجلة " المعرفة " مجموعة من الصور للكشافة الملتحقين بتلك الدورة ، ظهر من بينهم الكشاف معمر القذافي ( كما يظهر في احداها وإلى جانبه كل من الكشافين مصطفى الخروبي والخويلدي الحميدي )
ما ورد على لسان القذافي وزميله الخروبي وما نشرته مجلة المعرفة يثير كما يؤكد مسألتين :
المسألة الاولى :
تتعلق بصلة الطالب/ الكشاف معمر القذافي[2] بإدارة المباحث العامة التابعة لنظارة الداخلية بولاية فزان وعمله كمخبر في تلك الادارة.
· إذ كيف يمكن تصديق أن " الكشاف القذافي " شارك في المخيم الكشفي المذكور على نفقته الخاصة في حين ان اللوائح المنظمة للحركة الكشفية تمنع مثل هذه المشاركة ؟
· وفضلا عن ذلك فإذا كان الطالب الكشاف معمر قد شارك فعلاً في المخيم المذكور على نفقته الخاصة كما يدعي ، فكيف تيّسر له تدبير المال اللازم لتغطية نفقات رحلته إلى طرابلس وإقامته بها في حين أنه، كما يؤكد في أكثر من مناسبة كان فقيراُ معدماً؟!
إن الامر الأقرب للتصديق هو أن الذي عناه القذافي بقوله أنه شارك في المخيم " بنفسه " أن تلك المشاركة لم تتم عن طريق نظارة المعارف بولاية فزان التى تمت عن طريقها مشاركة بقية الكشافة الفزانيين ، وإنما تمت عن طريق جهة اخرى هي " إدارة المباحث " بولاية فزان التى كان الطالب / الكشاف معمر يعمل بها كمخبر ( بصاص) وكانت تلك المشاركة بهدف تمكينه من تقديم " تقارير" عن المشاركين في ذلك المخيم[3]
المسألة الثانية :
تتعلق بما ظل القذافي يردده على امتداد الاربع عقود الماضية بأنه شرع في بناء " الخلايا الثورية " لتنظيمه المزعوم منذ عام 1959 . ونحن نترك للقارئ أن يتأمل في هذه الصور المنشورة للكشاف معمر في ذلك العام (1959 ) وأن يصدق أو لا يصدق مزاعم القذافي الثورية المبكرة .
[1] شارك في هذا اللقاء إلى جانب القذافي كل من الرواد عبدالسلام جلود وبشير الصغير هوادي ومصطفى الخروبي وعوض حمزة أعضاء مجلس الانقلاب، وقد جرى نشر اللقاء بالسجل القومي المجلد السادس ، الصفحات ( 47 الى 114 )
[2] كان يعرف في تلك المرحلة من حياته بإسم " معمر عبدالسلام "
[3] تجدر الإشارة إلى ان هذا هو المخيم الأول والأخير الذي شارك فيه القذافي حسب قوله كما تجدر الاشارة إلى أن القذافي لم يشر في كافة احاديثه وتصريحاته – على كثرتها – إلا مرة وحيدة إلى صلته بالحركة الكشفية . ومن المعروف أن القذافي ناصب – منذ استيلائه على السلطة – هذه الحركة العداء وهو الأمر الذي يمكن إرجاعه إلى عدة اسباب قد يكون من بينها فشله في اجتياز الامتحان الذي عقد بتلك الدورة الكشفية لإختيار من يصلح للقيادة للإلتحاق بدورة القيادة ، كما قد يكون من بينها ما تكشف له من أن الحركة الكشفية " مرتعاً خصباً " للمخابرات الامريكية تستخدمه في التعرف على العناصر القيادية بين الشباب وفي اصطياد العملاء وتجنيدهم .


