|
بين الايمان والتعصب[1]
التعصب ربما كان مصدر أكثر الشرور في حياة العالم ، زماناً ومكاناً. والتعصب غير الايمان وغير التمسك بالرأي، يختلف عنهما في انه يقترن بضيق الأفق. وشتان بين اقتناع عميق ، ثابت، فهو بالتالي مطمئن إلى نفسه ، وبالتالي قادر على أن يرى الآفاق الأخرى ويفهم أسبابها ، وبين اقتناع تحده أربعة جدران صماء ، لا يحس إلاّ نفسه ولا يرى إلاّ نفسه ، ويعتقد أن هذه الجدران الأربعة هي حدود الدنيا.
الإيمان اطمئنان وشجاعة ، ولكن التعصب ، ليس ايمانا متطرفاً، ولكنه بالعكس ايمان قلق، وبالتالي فهو غير شجاع فيه خشية داخلية عميقة من أن ينكسر عند أول مواجهة مع حقيقة أخرى أو أن يموت إذا لفحته هبة هواء واحدة .
والانسان عرف كل أنواع التعصب: تعصب العرق، والجنس، واللون والقومية، والدين، والمذهب المختلف داخل الدين الواحد.
وأكبر مصدر للتعصب هو الجهل، وعدم الاستعداد للمعرفة ، فأنا إذا وضعت نفسى مكانك، فقد لا أقتنع برأيك ولا أوافق على سلوكك، ولكنني بالتأكيد سوف أفهم موقفك وبواعثك وكيف يمكن التعامل معها، وتطويرها والعكس صحيح بالطبع.
ولكن هذا الحوار لا يمكن أن يدور بين اثنين يحكمهما ، أو يحكم أحدهما الخوف من معرفة حقيقة أخرى، وتفضيل الجهل المريح على المعرفة المرهقة .
" وجادلهم بالتى هي أحسن "[2]
مسألة لا يقدر عليها ، ولا يصبر ويصابر دونها ، إلاّ من توفرت له صفات المعرفة والعلم وطمأنينة الايمان وعدم الخشية على هذا الايمان في المواجهة ، والمقارعة ، وتحكيم العقل الذي ميّز به الله الانسان عن سائر مخلوقاته ، وجعله لهذا العقل، خليفة له في الأرض، وخصه ، لهذا العقل، بالعقاب والثواب ، لأنه لا يمكن انزال العقاب أو إجزال الثواب للحيوان والمخلوقات التى لا تعقل.
لو فهمنا معنى التعصب ولو عرفنا كيف نواجهه بالايمان، لاختفت من حياتنا مشاكل عميقة ولاقتلعناها من الجذور .
[1] عن جريدة المساء 26/02/1982
[2] القرآن الكريم " سورة النحل " الآية 125
|